
لقد شهد التاريخ انتصارات عظيمة على أيدي الأنبياء والأوصياء والأولياء، غير أن أكثرها كان محدودًا بزمانٍ ومكان، وغالبها اقتصر على ساحات القتال، حيث تقتضي المصلحة غلبة فريقٍ على آخر، كما في معركة بدر حين أمدّ الله سبحانه وتعالى المؤمنين بملائكته نصرةً لهم. إلا أن تلك المعارك، على عِظَم شأنها، لم تكن خاتمة النضال في سبيل الله، ولا أول فصوله.
وحين نتجه بقلوبنا وأبصارنا إلى كربلاء الحسين، وعاشوراء القيم والتضحية والصبر والثبات والإيثار والعزّة والإباء، نرى انتصارًا خالدًا للمبادئ الإنسانية المتمثلة في الحرية والكرامة، على الانحدار والذل والهوان. فبعد واقعة أصحاب الأخدود التي عظّمها القرآن الكريم، لم يشهد التاريخ واقعة تماثلها في في التضحية من أجل العقيدة والذوبان في حب الله سبحانه والخلود والبقاء حتى جاءت عاشوراء الحسين عليه السلام.
لقد اختار الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه طريق الله سبحانه وتعالى من أقصر السبل وأوضحها؛ فحافظوا على كرامتهم الإنسانية، وعلى عهودهم مع الله، وأقاموا شعائر دينه، وحاربوا البدع، وأقاموا الصلاة برفض مبايعة الظالمين، وحافظوا على الهوية الإسلامية بدعوة الناس إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وتمسّكوا بالعزّة فلم تَغْرِهم مغريات البقاء، وباعوا الدنيا بالآخرة غير مبدّلين.. وبخلاف كثير من الثورات والحركات المناهضة للظلم..لم يسجل التاريخ حتى المأجور منه أي خرق للقوانين الإنسانية وضوابط حفظ السلم المجتمعي من محل انطلاق الركب الحسيني والى آخر لحظة من لحظات المسيرة الاصلاحية..
لقد اجتمع في عاشوراء الحسين مختلف الطيف البشري .. لم تفرّقهم الألوان ولا الأنساب ولا اللغات ولا الأوطان، بل اجتمعوا على نصرة الحق وحفظ رسالة الإنسانية التي لا تحتاج إلا إلى ضميرٍ حيٍّ وقلبٍ سليم. ولذا فإن رسائل عاشوراء لا يقف أمامها حاجز، فهي تخاطب كل إنسانٍ شريفٍ وكريمٍ وشجاعٍ وغيورٍ وصادقٍ وأمين، صاحب عقلٍ راجح وفطرة نقية لم تلوثها الشبهات؛ فمثل هذا الإنسان، أينما كان وحينما كان، ومهما اختلف لونه أو لغته أو عمله، إذا ما سمع بعاشوراء، وجد قلبه مع الحسين، مع المبادئ، مع الخير، مع الحرية، مع الكرامة، مع الشموخ والإباء.
ختامًا، مع خالص التقدير والإجلال
العلامة الشيخ حسين اللامي الطائي القحطاني
في هذا اليوم المبارك الموافق ١٠ آب ٢٠٢٥م
الموافق ١٥ صفر ١٤٤٧هـ
سائلين المولى عزّ وجلّ أن يديم نعمه، ويحفظ العراق وأهله

